السيد محمد الصدر
132
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
وأما الجهة النفسية ، فهي لا تكون إلا بالبكاء . فالأمر الرئيسي والأفضل هو توجيه المجتمع إلى البكاء . والنفس هي مركز العواطف ، والعواطف مشروعة ومفهومة اجتماعياً لدى الجميع . والعواطف الصعبة أكثر تأثيراً في التربية من العواطف السهلة أو المفرحة . وأول من نفَّذ البكاء هو السجاد ( ع ) ، فهو يعلم بهذه المصلحة وهذه التربية وهذه الهداية الناتجة عن البكاء . وقد كان أولى من يقوم بذلك وأن يبدأه هو الإمام السجاد ( ع ) وليس النساء ، لأن بكاء النساء في نظر المجتمع أمر متدني ومؤقت ومفروض . وإنما لابد أن يقوم بذلك الرجال ، وأن يتصدى له شخص عظيم وزعيم مثل السجاد ( ع ) ليشتهر بالتدريج بين الناس فيكون سبباً للتربية والتكامل في الأجيال . مضافاً إلى أن السجاد ( ع ) لم يكن قادراً على أن يعارض الدولة لأنه في تقية مكثفة ، ولكن هناك مستمسكاً يمكن التركيز عليه ضد الجهاز الحاكم من دون أن يكون غير مشروع في نظرهم . فهو يبكي على أهله وهذا جعله من نقطة قوة من هذه الناحية ، لأنه من الطبيعي اجتماعياً أن يبكي كل أحد على أهله فهذا نحو من الطعن فيهم من حيث لا يستطيعون النقاش ، وهو يدرك هذا المعنى بكل تأكيد . وهذا لا يحصل ببكاء يوم أو يومين ، بل ممارسة ذلك طول عمره . ولم يقصِّر في ذلك ( ع ) ، حيث يعرفه كل الناس بهذه الصفة حتى عد من البكائين الخمسة من البشر كلهم « 1 » .
--> ( 1 ) أنظر نحوه في مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 104 ، البحار ج 43 ص 35 . .